فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
* ( فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ) * . ثم قال تعالى : * ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولاً ، ثم ادعى كونه * ( جزاء وفاقاً ) * ( النبأ : 26 ) ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه أولاً من أن ذلك العقاب كان * ( جزاء وفاقاً ) * لا جرم أعاد ذكر العقاب ، وقوله : * ( فذوقوا ) * والفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله : * ( جزاء وفاقاً ) * . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه : أحدها : قوله : * ( فلن نزيدكم ) * وكلمة لن للتأكيد في النفي وثانيها : أنه في قوله : * ( كانوا لا يرجون حساباً ) * ( النبأ : 27 ) ذكرهم بالمغايبة وفي قوله : * ( فذوقوا ) * ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب وثالثها : أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ، ثم قال : * ( فذوقوا ) * فكأنه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب قال عليه الصلاة والسلام : " هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه " بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار : * ( ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ) * ( آل عمران : 77 ) فهنا لما قال لهم : * ( فذوقوا ) * فقد كلمهم ؟ الجواب : قال أكثر المفسرين : تقدير الآية فيقال لهم : فذوقوا ، ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول : * ( فلن نزيدكم إلا عذاباً ) * بل هذا الكلام لا يليق إلا بالله ، والأقرب في الجواب أن يقال قوله : * ( ولا يكلمهم ) * أي ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص العموم غير بعيد لا سيما عند حصول القرينة ، فإن قوله : * ( ولا يكلمهم ) * إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزناً ، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب . السؤال الثاني : دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبداً ، فتلك الزيادة إما أن يقال : إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة ، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحساناً ، والكريم إذا أسقط حق نفسه ، فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك ، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلماً وإنه لا يجوز على الله الجواب : كما أن الشيء يؤثر بحسب خاصية ذاته ، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام ، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر ، وأيضاً فتلك الزيادة مستحقة ، وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط ، والله علم بما أراد . واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور :